مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

قهوة‭ ‬الصباح

وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ



عندما قرأت تاريخ سلوكيات الاخوان الذى كتبه الخوارج من الإخوان وضعت يدى على اخطر ما وضعه الاخوان فى ثياب الدين، انه الاستعلاء على الناس، فقه جديد سنه الاخوان هو فقه الاستعلاء والتكبر بعد التمكين، لقد صاغ الفكرة سيد قطب فى كتابه معالم فى الطريق بشكل جعل الاستعلاء الاخوانى على ما دون الاخوان فريضة وواجباً فلا إخوانية دون استعلاء!!

>>>

كما أؤمن يقينا ان التحولات السياسية الكبرى ليست وقائع منفصلة عن منظومة القيم أو عن سنن الاجتماع التى تحكم صعود القوى وسقوطها. فالقرآن، حين عرض نماذج تاريخية للتمكين والانكسار، لم يكن يسرد وقائع ماضية بقدر ما كان يضع قوانين عامة تتكرر كلما تشابهت الشروط. ومن هذا المنظور، تبدو التجربة التى مرت بها جماعة الإخوان فى السنوات الأخيرة نموذجًا قابلاً للقراءة فى ضوء نصوص قرآنية تناولت الاستهزاء بالحق، وادّعاء النصح، وعاقبة الاستخفاف بالتحذير.

>>>

يقول الله تعالي: «وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ»، وهى آية تتجاوز السياق الوعظى لتؤسس لمعنى سياسى واجتماعى عميق، مفاده أن السخرية من العواقب لا تمنع وقوعها، وأن الاستخفاف بالسنن لا يعطّل نتائجها. والاستهزاء هنا لا يُفهم بوصفه تهكمًا لفظيًا فقط، بل موقفًا ذهنيًا وسلوكيًا يقوم على التقليل من شأن التحذيرات، واعتبار النقد عداوة، والنصيحة تهديدًا للمشروع.

>>>

فى التجربة الإخوانية، برز هذا الاستهزاء فى طريقة التعامل مع المجتمع والدولة معًا. فقد جرى النظر إلى النقد السياسى على أنه مؤامرة، وإلى الخلاف على أنه خروج عن الدين أو عن «الشرعية»، وإلى التحذيرات من الإقصاء واحتكار السلطة بوصفها تهويلاً لا يستحق التوقف عنده. هذا الشعور بالحصانة الأخلاقية، المستند إلى خطاب دينى تعبوي، خلق مسافة متزايدة بين الجماعة وقطاعات واسعة من المجتمع، وأنتج قناعة داخلية بأن التنظيم هو معيار الصواب، وأن ما عداه إما جاهل أو متآمر.

>>>

هذا النموذج الذهنى يجد صداه فى توصيف القرآن لحال المنافقين: «وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ»، ثم يردف: «اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ». فالإمهال، فى هذا السياق، لا يعنى رضا ولا ضمانة، بل قد يكون استدراجًا يسبق السقوط حين تكتمل أسباب الانكشاف.

>>>

ومن أكثر المفاهيم التى أُسيء توظيفها فى الخطاب السياسى الدينى مفهوم «النصح». فالقرآن يقدّم هذا المفهوم فى صورتين متقابلتين؛ الأولى صادقة نقية على لسان الأنبياء: «أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّى وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ»، حيث يكون النصح التزامًا أخلاقيًا، وتجردًا من المصلحة، واستعدادًا لتحمل الكلفة. وفى المقابل، يأتى اللفظ ذاته فى سياق الخداع، كما قال إبليس: «إِنِّى لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ»، وكما قال إخوة يوسف: «وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ». هنا لا يكون الخلاف فى الكلمة، بل فى القصد والممارسة.

>>>

فى الحالة الإخوانية، جرى رفع شعار «النصح للأمة» بينما كانت السياسات العملية تقوم على أولوية التنظيم، وعلى منطق الغلبة لا الشراكة، وعلى تقسيم المجتمع إلى مؤيدين للمشروع ومعرقلين له. تحول النصح إلى خطاب تعبوى يبرر القرارات، لا إلى آلية مراجعة أو محاسبة. وغاب البعد الأخلاقى الذى يجعل النصح التزامًا بالحق حتى لو خالف مصلحة الجماعة.

>>>

كما ساد قدر من الاستخفاف الضمنى بسنن المجتمع والدولة؛ فتم التقليل من أهمية التوافق الوطني، والسخرية من التحذير من الصدام، والتعامل مع الدولة باعتبارها غنيمة سياسية لا كيانًا مركبًا تحكمه توازنات دقيقة. وعندما جاءت النتائج مغايرة للتوقعات، بدت وكأنها تجسيد حرفى للآية: «وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ»، حيث تحققت العزلة التى أُنكرَت، ووقع الانفضاض الشعبى الذى استُبعد.

>>>

الأكثر دلالة أن ما تلا السقوط لم يكن مراجعة شاملة بقدر ما كان خطاب مظلومية، يركّز على النتائج ويتجاهل الأسباب. بينما يصور القرآن لحظة الإفاقة المتأخرة بوضوح بالغ: «يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِى جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ»، حيث تكون الحسرة على الاستهزاء السابق بالنصح وبالسنن، لا على الخسارة السياسية وحدها.

>>>

إن هذه القراءة لا تخص جماعة بعينها بقدر ما تقدم درسًا عامًا فى خطورة توظيف الدين لتبرير السلطة، وفى أن ادّعاء النصح لا يغنى عن صدقه، وأن السنن لا تحابى من يرفع الشعارات، بل من يلتزم بالقيم. فالتاريخ، حين يُعاد، لا يرحم من تجاهل قوانينه.